الجرذان الأفريقية الجرابية: أبطال صامتون ينقذون الأرواح من الألغام الأرضية
الطبيعة › العلوم › الجرذان الأفريقية الجرابية: أبطال صامتون ينقذون الأرواح من الألغام الأرضية
الجرذان الأفريقية الجرابية، قد لا يكون هذا هو أول ما يتبادر إلى الذهن عند التفكير في الأبطال. لكن، في حقول الموت الصامتة المنتشرة في عشرات البلدان، أصبحت هذه المخلوقات الصغيرة والمتواضعة أبطالًا حقيقيين. في الواقع، هي ليست مجرد قوارض تجوب البراري، بل أصبحت منقذة للأرواح وأداة فريدة للأمل. فمن خلال تدريبها المتقن على استخدام حاسة الشم الخارقة لديها، تحولت هذه الجرذان إلى خط دفاع مبتكر ضد خطر الألغام الأرضية الذي يقتل ويشوه الآلاف سنويًا.
هذه الألغام، التي تُعتبر إرثًا مميتًا للحروب، تظل نشطة لعقود، وتحول الأراضي الزراعية والملاعب والمسارات إلى مناطق محظورة. ونتيجة لذلك، تعيق التنمية وتزرع الخوف في قلوب المجتمعات. لكن، بفضل منظمة رائدة وعزيمة هذه الحيوانات المذهلة، يتم استعادة الأراضي وإنقاذ الأرواح. لذلك، في هذا المقال الشامل، سنغوص في القصة الملهمة لـ “جرذان الأبطال” (HeroRATs). أولاً، سنتعرف على هذه المخلوقات وقدراتها البيولوجية الفريدة. بعد ذلك، سنستكشف عملية تدريبها الدقيقة والمراحل التي تمر بها لتصبح كاشفة للألغام. علاوة على ذلك، سنستعرض تأثيرها الملموس في دول مثل كمبوديا وأنغولا، ونختتم بالدروس المستفادة من هذا التعاون المذهل بين الإنسان والطبيعة.
ما هي الجرذان الأفريقية الجرابية؟ نظرة عن قرب على البطل الخفي
قبل الخوض في مهامها البطولية، من المهم أن نتعرف على هذه المخلوقات بشكل أفضل. ففي النهاية، هي ليست الجرذان العادية التي قد نراها في المدن. الجرذ الأفريقي الجرابي العملاق (Cricetomys ansorgei) هو نوع فريد من القوارض موطنه الأصلي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويمتلك هذا الكائن مجموعة من الخصائص التي تجعله مثاليًا بشكل مدهش لمهمة الكشف عن الألغام.
قدرات بيولوجية استثنائية
- حاسة شم خارقة: الأهم من ذلك كله، تمتلك هذه الجرذان حاسة شم قوية وحساسة للغاية. حيث يمكنها اكتشاف التركيزات الدقيقة للمركبات الكيميائية، بما في ذلك مادة ثلاثي نيترو تولوين (TNT) الموجودة في معظم الألغام الأرضية، حتى لو كانت مدفونة عميقًا تحت الأرض.
- وزن خفيف للغاية: يتراوح وزن الجرذ البالغ بين 1 إلى 1.5 كيلوغرام. وهذا يعني أنه خفيف جدًا لدرجة لا يمكنه تفجير الألغام الأرضية التي تحتاج عادةً إلى ضغط لا يقل عن 5 كيلوغرامات لتفعيلها. لذلك، يمكنه التحرك بأمان تام فوق الحقول المشتبه بها.
- ذكاء وقابلية للتدريب: تتمتع هذه الجرذان بذكاء ملحوظ. بالإضافة إلى ذلك، هي مدفوعة بالطعام، مما يجعل تدريبها باستخدام تقنيات التعزيز الإيجابي (مثل المكافآت الغذائية) فعالاً للغاية.
- عمر طويل نسبيًا: يمكن أن تعيش الجرذان الأفريقية الجرابية لمدة تصل إلى 8 سنوات. وهذا يمنحها “حياة مهنية” طويلة ككاشفة للألغام بعد إكمال تدريبها الذي يستغرق حوالي تسعة أشهر.
هذه المزيج الفريد من الخصائص جعل منظمة بلجيكية غير حكومية تُدعى “APOPO” تفكر في فكرة ثورية: لماذا لا نستخدم هذه القدرات الطبيعية لمواجهة مشكلة من صنع الإنسان؟

عملية التدريب: كيف يتحول الجرذ إلى “بطل”؟
تحويل جرذ بري إلى كاشف متفجرات عالي الدقة هي عملية علمية ومنهجية تتطلب الصبر والخبرة. وتقوم منظمة APOPO بتنفيذ هذا البرنامج التدريبي المتقن في مقرها الرئيسي في تنزانيا.
المرحلة الأولى: التنشئة والتكييف
تبدأ الرحلة عندما تكون الجرذان صغيرة جدًا. حيث يتم تعريضها للأصوات والمشاهد البشرية منذ سن مبكرة لتعتاد على التعامل مع مدربيها. بعد ذلك، يتم تدريبها على ارتداء سرج صغير وربطها بحبل، وهو ما سيستخدم لتوجيهها في الميدان لاحقًا. في هذه المرحلة، الهدف هو بناء الثقة بين الجرذ ومدربه.
المرحلة الثانية: تعلم رائحة الهدف (TNT)
هنا يبدأ التدريب الجاد. حيث يتم استخدام تقنية “التدريب بالنقر” (Clicker Training). في البداية، يتعلم الجرذ أن صوت “النقر” يعني أنه سيحصل على مكافأة لذيذة، مثل الموز أو الأفوكادو. بمجرد أن يتم هذا الربط، يتم تقديم رائحة مادة TNT. وعندما يشم الجرذ رائحة TNT ويقوم بأي تفاعل معها (مثل لمسها بأنفه)، يسمع “نقرة” ويحصل على مكافأة. وبالتدريج، يتعلم الجرذ أن هذه الرائحة تحديدًا هي التي تجلب له الطعام.

المرحلة الثالثة: التدريب الميداني والتمييز
بعد إتقان التعرف على الرائحة، تنتقل الجرذان إلى صناديق اختبار أكبر ثم إلى حقول تدريب خارجية تحاكي حقول الألغام الحقيقية. حيث يتم دفن عينات من TNT إلى جانب مشتتات أخرى (مثل قطع معدنية قديمة أو علب صدئة) لتعليم الجرذ التمييز بين رائحة المتفجرات والروائح الأخرى. ويتم تدريبه على الإشارة إلى مكان اللغم عن طريق خدش الأرض فوقه. وعندما يفعل ذلك بشكل صحيح، يحصل على مكافأته الفورية.
المرحلة الرابعة: الاعتماد النهائي
قبل التخرج، يجب على كل جرذ أن يجتاز اختبارًا نهائيًا صارمًا. حيث يتم اختباره في حقل كبير لم يره من قبل، ويحتوي على ألغام حقيقية منزوعة الفتيل. ويجب عليه تحديد موقع كل لغم في الحقل بنسبة نجاح 100%. فقط الجرذان التي تجتاز هذا الاختبار الصعب تحصل على شهادة “HeroRAT” ويتم إرسالها إلى الميدان.
التأثير العالمي: قصص نجاح من الميدان
إن كفاءة هذه الجرذان ليست مجرد نظرية، بل هي حقيقة مثبتة في الميدان. حيث يمكن لجرذ واحد تمشيط مساحة 200 متر مربع في 20 دقيقة فقط. في المقابل، قد يحتاج الإنسان الذي يستخدم جهاز الكشف عن المعادن إلى ما يصل إلى أربعة أيام لتطهير نفس المساحة. وهذا الفارق الهائل في السرعة والكفاءة أدى إلى نتائج مذهلة في العديد من البلدان.
موزمبيق: دولة خالية من الألغام
ربما تكون قصة النجاح الأبرز في موزمبيق. فبعد عقود من الحرب، كانت البلاد موبوءة بالألغام. ولكن بفضل جهود مشتركة، بما في ذلك عمل جرذان APOPO، تم إعلان موزمبيق خالية تمامًا من الألغام الأرضية المعروفة في عام 2015. لقد ساهمت الجرذان في تطهير ملايين الأمتار المربعة، مما سمح للمجتمعات بالعودة إلى أراضيها بأمان. لمعرفة المزيد عن مشكلة الألغام العالمية، يمكنك زيارة موقع الأمم المتحدة للت acción ضد الألغام.
كمبوديا: مواجهة إرث الخمير الحمر
تُعد كمبوديا واحدة من أكثر دول العالم تلوثًا بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة. هنا، أثبتت الجرذان فعاليتها بشكل كبير. على سبيل المثال، الجرذ البطل “ماجاوا”، الذي تقاعد في عام 2021، اكتشف بمفرده أكثر من 100 لغم أرضي وذخيرة أخرى خلال حياته المهنية. ونتيجة لجهوده، حصل على ميدالية ذهبية من جمعية PDSA الخيرية البريطانية لشجاعته، وهو أعلى تكريم يمكن أن يحصل عليه حيوان.
أنغولا وزيمبابوي: توسيع نطاق الأمل
تواصل الجرذان عملها في بلدان أخرى مثل أنغولا وزيمبابوي. ففي هذه المناطق، لا يقتصر عملها على تطهير الأراضي فحسب، بل يمتد إلى فتح ممرات آمنة حول المجتمعات الريفية، مما يسمح للأطفال بالذهاب إلى المدرسة وللمزارعين بالوصول إلى حقولهم دون خوف. وهذا يوضح كيف يمكن لجهود إزالة الألغام أن تكون حجر الزاوية في التنمية المستدامة في القارة الأفريقية.
تحديات وفرص مستقبلية
على الرغم من النجاح الكبير، لا يزال البرنامج يواجه بعض التحديات. أولاً، هناك التحدي الثقافي. ففي بعض المجتمعات، يُنظر إلى الجرذان على أنها آفات، مما يتطلب جهودًا لتوعية السكان المحليين بأهمية دورها كمنقذة للأرواح. ثانيًا، يعتمد البرنامج بشكل كبير على التمويل والتبرعات لمواصلة عملياته وتوسيع نطاقها.
لكن، الفرص المستقبلية واعدة. فبالإضافة إلى الكشف عن الألغام، أثبتت هذه الجرذان قدرتها على اكتشاف مرض السل في عينات البلغم البشرية بسرعة ودقة تفوق الفحوصات المجهرية التقليدية. وهذا يفتح الباب أمام استخدام هذه الحيوانات المذهلة في مجال الصحة العامة أيضًا.
درس في الابتكار والتعاون
في الختام، قصة الجرذان الأفريقية الجرابية هي أكثر من مجرد قصة عن حيوانات ذكية. إنها مثال ملهم على قوة الابتكار والتفكير خارج الصندوق لمواجهة بعض أكثر المشاكل تعقيدًا في العالم. كما أنها تبرز أهمية التعاون بين الإنسان والطبيعة، وتوضح كيف يمكن لتسخير القدرات الفريدة للمخلوقات الأخرى أن يؤدي إلى حلول فعالة وإنسانية.
لذلك، في المرة القادمة التي تفكر فيها في الأبطال، تذكر هذه القوارض الصغيرة ذات القلوب الكبيرة. فهم يعملون بصمت في الخطوط الأمامية، يخدشون الأرض ليس بحثًا عن طعام فحسب، بل بحثًا عن مستقبل أكثر أمانًا لملايين البشر. إنهم يثبتون يومًا بعد يوم أن البطل يمكن أن يأتي في أي حجم وشكل.
الفأر الأفريقي المتوج.. يغطي نفسه بسموم نباتية تكفي لقتل فيل





