قياس قوة الزلزال؟ فهم مقاييس الزلازل وتأثيرها على العالم
الطبيعة › العلوم › قياس قوة الزلزال؟ فهم مقاييس الزلازل وتأثيرها على العالم
تُعد الزلازل من الظواهر الطبيعية التي تثير الرعب والدهشة في آنٍ واحد، فهي قادرة على تدمير مدن بأكملها في لحظات. في الواقع، هذه الهزات الأرضية هي تذكير دائم بقوة كوكبنا الهائلة. ولكن، كيف يتم قياس قوة الزلزال علميًا؟ هل يعتمد العلماء على أدوات معينة لتحديد مدى شدتها وتأثيرها؟ لذلك، في هذا المقال، سنستكشف طرق قياس الزلازل، وأشهر المقاييس المستخدمة، ونوضح الفروق الجوهرية بينها.
القوة مقابل الشدة: مفهومان أساسيان في قياس الزلازل
قبل أن نتعمق في المقاييس، من الضروري فهم الفرق بين مفهومين رئيسيين يخلط بينهما الكثيرون: القوة والشدة.
- القوة (Magnitude): هي قياس موضوعي لكمية الطاقة الكلية التي تم إطلاقها من مركز الزلزال (البؤرة). لكل زلزال قيمة قوة واحدة فقط. يمكن تشبيهها بقوة المصباح الكهربائي (مثلاً، 100 واط).
- الشدة (Intensity): هي قياس وصفي لمدى تأثير الزلزال والدمار الذي أحدثه في موقع معين على سطح الأرض. للزلزال الواحد قيم شدة متعددة، تكون أعلاها عند المركز السطحي وتقل كلما ابتعدنا. يمكن تشبيهها بمدى سطوع ضوء المصباح الذي تراه من مكانك (كلما ابتعدت، قل السطوع).
إذًا، مقياس ريختر ومقياس العزم الزلزالي يقيسان القوة، بينما مقياس ميركالي يقيس الشدة.
قياس القوة: كمية الطاقة المنبعثة
لقياس القوة، يستخدم العلماء مقاييس تعتمد على البيانات المسجلة بواسطة أجهزة السيزموجراف.
1. مقياس ريختر (Richter Scale)
يُعد مقياس ريختر من أشهر مقاييس الزلازل. تم تطويره عام 1935 من قبل العالم “تشارلز ريختر”. وهو مقياس لوغاريتمي، وهذا يعني أن كل زيادة بمقدار درجة واحدة على المقياس لا تمثل زيادة خطية، بل زيادة هائلة في القوة. على سبيل المثال، الزلزال بقوة 7 درجات يطلق طاقة أكبر بحوالي 32 مرة من زلزال بقوة 6 درجات!
2. مقياس العزم الزلزالي (Moment Magnitude Scale – MMS)
في السنوات الأخيرة، أصبح مقياس العزم الزلزالي هو المقياس المعتمد لدى معظم علماء الزلازل، خاصة للزلازل الكبيرة. فهو أكثر دقة من مقياس ريختر لأنه يقيس إجمالي الطاقة المنبعثة بناءً على عوامل فيزيائية حقيقية للصدع، مثل مساحة الكسر وكمية الإزاحة الصخرية. ولذلك، فإن الأرقام التي نسمعها اليوم في الأخبار عن الزلازل الكبرى هي في الغالب من هذا المقياس.
قياس الشدّة: حجم الدمار الذي نراه
على عكس مقاييس قوة الزلزال مثل مقياس العزم الزلزالي التي تعتمد على أجهزة دقيقة لقياس الطاقة المنبعثة من مركز الزلزال، فإن مقياس الشدّة يركّز على ما يمكننا رؤيته والشعور به فعليًا على سطح الأرض. إنه مقياس بشري يعتمد على الملاحظة المباشرة لتأثير الزلزال في مختلف المناطق.
مقياس ميركالي المعدل (Modified Mercalli Intensity Scale – MMI)
يُعد مقياس ميركالي المعدل من أشهر المقاييس المستخدمة لقياس شدّة الزلازل وتأثيرها المرئي.
- يعتمد على تقدير حجم الدمار الذي يلحق بالمباني والبنية التحتية، إضافة إلى ردود فعل الناس وشعورهم بالاهتزازات.
- يتكوّن من 12 درجة مكتوبة بالأرقام الرومانية (من I إلى XII).
- يستخدمه المهندسون وفرق الطوارئ لتحديد أكثر المناطق تضررًا بعد الزلزال، وتخطيط عمليات الإنقاذ والإغاثة.
تقسيم درجات مقياس ميركالي:
I – III: زلازل ضعيفة جدًا
- تكون الاهتزازات خفيفة للغاية.
- لا يشعر بها معظم الناس، خاصة أثناء النشاط اليومي.
- تُسجَّل فقط بواسطة الأجهزة الحساسة.
IV – VI: زلازل معتدلة
- يشعر بها الجميع داخل المباني، وأحيانًا في الخارج.
- قد تهتز النوافذ وتتأرجح الثريات.
- يمكن أن تسقط بعض الأشياء الخفيفة أو تتشقق الجدران بشكل طفيف.
VII – IX: زلازل قوية إلى عنيفة
- تسبب اهتزازات قوية يشعر بها الجميع بوضوح.
- تُلحق أضرارًا متوسطة إلى كبيرة في الأبنية، خاصة غير المدعّمة.
- قد تنهار بعض الهياكل القديمة أو تظهر شقوق واضحة في الأرض.
X – XII: زلازل كارثية
- تمثّل أعلى درجات المقياس.
- تسبب دمارًا شبه كامل للمباني والمنشآت.
- يمكن أن تؤدي إلى تغيّر شكل سطح الأرض، وانهيارات أرضية أو تشققات عميقة.
- في الدرجة XII، قد تتحول المنطقة إلى أنقاض تامة مع اختفاء البنية التحتية بالكامل
جدول ملخص لأهم مفاهيم قياس الزلازل
| المفهوم / الأداة | الوظيفة | الصلة بالموضوع |
|---|---|---|
| مقياس ريختر | يجيب سؤال ما هو مقياس ريختر بأنه يقيس “القوة” (Magnitude) أو الطاقة المنبعثة من مركز الزلزال. | هو المقياس الأشهر عالميًا. |
| مقياس ميركالي | يقدم شرح مقياس ميركالي كيف يتم قياس “الشدة” (Intensity) أو حجم الدمار الفعلي في مكان معين. | يوضح الفرق بين قوة الزلزال وشدته. |
| جهاز السيزموجراف | لفهم كيف يعمل جهاز السيزموجراف، تخيله كقلم يسجل اهتزازات الأرض على ورقة. | هو الأداة التي توفر البيانات الأولية لمقياس ريختر. |
| القياس المتكامل | إن قياس قوة الزلزال يعتمد على استخدام كل هذه الأدوات والمقاييس معًا. | للحصول على صورة كاملة عن طاقة الزلزال وتأثيره. |
أقوى الزلازل المسجلة في التاريخ
على مرّ العصور، شهد كوكب الأرض زلازل مدمّرة أطلقت طاقات تفوق أي سلاح صنعه الإنسان، وغيّرت معالم القارات والبحار. تُقاس قوة هذه الزلازل عادةً بـ مقياس العزم الزلزالي (Mw)، وهو أدق من مقياس ريختر التقليدي. فيما يلي قائمة بأقوى الزلازل التي سُجِّلت في التاريخ الحديث:
1. زلزال فالديفيا – تشيلي (1960) 9.5 درجة
يُعد هذا الزلزال الأقوى على الإطلاق منذ بدء تسجيل الزلازل بالأجهزة الحديثة.
- وقع في 22 مايو 1960 في مدينة فالديفيا جنوب تشيلي.
- استمر الاهتزاز الرئيسي أكثر من 10 دقائق متواصلة، وأطلق طاقة هائلة تعادل انفجار مليارات الأطنان من مادة TNT.
- نتج عنه تسونامي ضخم عبر المحيط الهادئ، ضرب سواحل اليابان والفلبين وهاواي، ووصل حتى أستراليا ونيوزيلندا.
- خلّف أكثر من 1600 ضحية وآلاف الجرحى والمشرّدين، وغيّر ملامح الساحل الجنوبي لتشيلي.
2. زلزال ألاسكا العظيم – الولايات المتحدة (1964) 9.2 درجة
يُعرف أيضًا بـ “زلزال جمعة الآلام”، وقد هزّ ولاية ألاسكا في 27 مارس 1964.
- دام أكثر من 4 دقائق، وتسبب في ارتفاع الأرض وانخفاضها في مناطق واسعة.
- أطلق سلسلة تسونامي هائلة وصلت إلى كاليفورنيا واليابان.
- أسفر عن مقتل أكثر من 130 شخصًا، وتسبّب في خسائر اقتصادية ضخمة.
- اعتُبر نقطة تحول في فهم العلماء لطبيعة الصفائح التكتونية وحركة الأرض.
3. زلزال سومطرة – إندونيسيا (2004) 9.1 درجة
أحد أكثر الزلازل دموية في التاريخ الحديث.
- وقع في 26 ديسمبر 2004 قبالة الساحل الغربي لجزيرة سومطرة.
- أحدث تسونامي كارثي اجتاح 14 دولة على طول المحيط الهندي، منها سريلانكا والهند وتايلاند.
- تجاوز عدد الضحايا 230 ألف شخص، إضافةً إلى ملايين النازحين.
- كان هذا الحدث مأساويًا، لكنه أيضًا ساهم في تطوير أنظمة الإنذار المبكر بالتسونامي في العالم.
4. زلزال توهوكو – اليابان (2011) 9.0 درجة
من أكثر الكوارث التي جمعت بين القوة الطبيعية والتداعيات النووية.
- وقع في 11 مارس 2011 قبالة الساحل الشرقي لليابان.
- تسبّب في تسونامي هائل تجاوز ارتفاع موجه 40 مترًا في بعض المناطق.
- أدّى إلى كارثة مفاعل فوكوشيما النووي، ما تسبب بتسرب إشعاعي واسع.
- خلّف نحو 20 ألف ضحية بين قتيل ومفقود، وجعل اليابان تعيد النظر في سياستها النووية.
خلاصة:
تُذكّرنا هذه الزلازل بأن كوكبنا ما يزال نشطًا جيولوجيًا، وأن قوى الطبيعة تفوق كل ما نملكه من تكنولوجيا. لذا، فإن فهم أسباب الزلازل، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية المقاومة، يعدّان من أهم وسائل التعايش مع هذا الخطر الدائم
كيف تحمي نفسك أثناء الزلازل؟
هل تعلم أن ثوانٍ قليلة من التصرف الصحيح يمكن أن تُنقذ حياتك أثناء الزلازل؟ إذا كنت تعيش في منطقة زلزالية، فمن الضروري أن تعرف ما الذي يجب فعله قبل وأثناء وبعد الهزة الأرضية. إليك الخطوات الأساسية التي ينصح بها الخبراء:
أثناء الزلزال: “انخفض، تغطَّ، تمسك” (Drop, Cover, and Hold On)
ماذا يجب أن تفعل عندما تبدأ الأرض بالاهتزاز؟
- انخفض بسرعة على ركبتيك قبل أن تسقط. هذه الوضعية تمنحك توازنًا وتحميك من الانزلاق.
- تغطَّ برأسك ورقبتك مستخدمًا ذراعيك، أو احتمِ تحت طاولة قوية أو مكتب متين.
- تمسّك بمكانك جيدًا حتى يتوقف الاهتزاز تمامًا.
- إذا لم تجد غطاءً قريبًا، ابقَ بعيدًا عن النوافذ والأشياء القابلة للسقوط، وحاول حماية رأسك بذراعيك.
تذكّر: لا تركض أبدًا نحو الخارج أثناء الاهتزاز — فمعظم الإصابات تحدث بسبب سقوط الزجاج أو الأشياء الثقيلة داخل المباني.
إذا كنت في الخارج
هل من الآمن البقاء في الشارع؟
- ابتعد فورًا عن المباني العالية، والجدران، وأعمدة الكهرباء، والأشجار الكبيرة، لأنها قد تسقط أو تنهار.
- حاول الوصول إلى منطقة مفتوحة وآمنة مثل ساحة واسعة أو حديقة خالية من الهياكل.
- لا تقترب من الشواطئ أو الأنهار بعد الزلزال، فقد يتبعه تسونامي في المناطق الساحلية.
بعد انتهاء الزلزال
هل انتهى الخطر بمجرد توقف الاهتزاز؟
ليس بعد! فغالبًا ما تتبع الزلازل هزات ارتدادية قد تكون قوية بما يكفي لإحداث أضرار إضافية.
- ابقَ في مكان آمن حتى تتأكد أن الهزات انتهت.
- تفقد نفسك والآخرين بحثًا عن أي إصابات، واطلب المساعدة عند الحاجة.
- تجنّب استخدام المصاعد لأنها قد تتعطل أو تتوقف أثناء الهزات الارتدادية.
- افصل مصادر الغاز والكهرباء إذا لاحظت أي تسرب أو شرر.
- تابع الأخبار المحلية عبر الراديو أو الهاتف للحصول على تعليمات الطوارئ الرسمية.
سؤال للتأمل:
هل عائلتك مستعدة لزلزال مفاجئ؟
جهّزوا معًا خطة طوارئ منزلية تتضمن نقطة تجمع آمنة، وحقيبة إسعافات أولية، ومصباح يدوي، ومؤن تكفي لعدة أيام
علم في خدمة الإنسانية
في الختام، إن قياس قوة الزلزال هو علم حاسم يساعدنا على فهم كوكبنا والاستعداد لمخاطره. فمن خلال التمييز بين القوة والشدة، واستخدام أدوات دقيقة مثل السيزموجراف، يمكن للعلماء والمهندسين تصميم مبانٍ أكثر أمانًا، ووضع أنظمة إنذار مبكر، وفي النهاية، إنقاذ الأرواح. إنه يوضح كيف يمكن للعلم أن يحول ظاهرة طبيعية مرعبة إلى تحدٍ يمكن التعامل معه بوعي واستعداد.
اقرأ في مقالنا عن:
- انفجار بركاني يُرى من الفضاء: طاقة تفوق آلاف القنابل النووية وتأثيرات تمتد إلى المناخ
- الصفائح التكتونية: كيف تشكلت القارات وما سبب الزلازل والبراكين
- هل تتنبأ الحيوانات بالزلازل قبل وقوعها؟ بين الأسطورة والحقائق العلمية
- أضواء الزلازل : بين التفسير العلمي ونظريات الأسلحة السرية
- الزلازل: دليل شامل لفهم أسبابها وأنواعها وكيفية قياس قوتها
- البركان المخروطي: أسرار التكوين وأخطر الثورات البركانية في العالم
- مقياس ريختر ما هو.. فمع كل زلزال يبرز اسمه مجددًا
- الهزات الأرضية في الخليج العربي: الأسباب، التأثيرات، وكيفية التنبؤ بها
- براكين سيبيريا والانقراض العظيم: كيف تسببت الكارثة في “الموت العظيم”؟





