سبب تسمية المجرات بأسمائها الحالية: رحلة من الأسطورة إلى الفهرس الكوني
الطبيعة › العلوم › سبب تسمية المجرات بأسمائها الحالية: رحلة من الأسطورة إلى الفهرس الكوني
عندما ننظر إلى سماء ليل صافية، بعيدًا عن أضواء المدن، نرى شريطًا ضبابيًا من الضوء يمتد عبر قبة السماء، ونقاطًا باهتة متناثرة هنا وهناك. هذه ليست مجرد أضواء، بل هي مدن كونية هائلة تضم كل منها مليارات النجوم: إنها المجرات. ولكن، هل توقفت يومًا لتسأل عن سبب تسمية المجرات بأسمائها الحالية؟ من أين أتت هذه التسميات، وما هي القصص المخبأة وراء كل يوم؟ في الواقع، الإجابة ليست مجرد معلومة عابرة، بل هي رحلة مذهلة عبر آلاف السنين، تأخذنا من مراصد الفلكيين في بابل القديمة، مرورًا بمعابد الآلهة في روما، وصولًا إلى غابات الفايكنج الضبابية في شمال أوروبا، وانتهاءً بالمنظور الرقمي والديني في العالم العربي. لذلك، استعد لاستكشاف التاريخ المدهش والثقافات الغنية التي شكلت الأسبوع كما نعرفه اليوم.
1. ما هي المجرات؟ فهم اللبنات الأساسية للكون
قبل أن نتعمق في سبب تسمية المجرات، من الضروري أن نفهم ما هي هذه الكيانات الكونية الهائلة. المجرة هي نظام ضخم يربطه قانون الجاذبية ويتكون من النجوم، والبقايا النجمية، والوسط البينجمي من الغاز والغبار، بالإضافة إلى مكون غامض ومهم يُعرف بالمادة المظلمة. علاوة على ذلك، يعتقد العلماء أن المادة المظلمة تشكل حوالي 90% من كتلة معظم المجرات. إنها “المدن” التي تشكل نسيج الكون الواسع.
أنواع المجرات الرئيسية
يقوم علماء الفلك بتصنيف المجرات بناءً على شكلها الظاهري، وهو نظام طوره الفلكي الشهير إدوين هابل. وبالتالي، يمكننا تقسيمها إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
- المجرات الحلزونية (Spiral Galaxies): هي النوع الأكثر شهرة، وتتميز بقرص مركزي منتفخ وأذرع حلزونية لامعة تمتد منه. وبشكل خاص، تُعد هذه الأذرع مناطق ولادة النجوم النشطة، وتحتوي على نجوم شابة وزرقاء وكميات كبيرة من الغاز والغبار. مجرتنا، درب التبانة، ومجرة أندروميدا هما مثالان رائعان على هذا النوع.
- المجرات الإهليلجية (Elliptical Galaxies): تتراوح أشكالها من الكروية تقريبًا إلى البيضاوية الممدودة. على النقيض من المجرات الحلزونية، تحتوي هذه المجرات على القليل من الغاز والغبار، وتتكون في الغالب من نجوم قديمة حمراء اللون. يعتقد الخبراء أنها تتشكل غالبًا نتيجة اصطدام واندماج المجرات الحلزونية.
- المجرات غير المنتظمة (Irregular Galaxies): كما يوحي اسمها، ليس لهذه المجرات بنية أو شكل محدد. في الغالب، تكون فوضوية المظهر، ويعتقد الفلكيون أن شكلها ناتج عن تفاعلات جاذبية مع مجرات أخرى قريبة. سحابتا ماجلان، وهما مجرتان قزمتان تابعتان لدرب التبانة، هما أشهر الأمثلة.
2. العصر الشعري: عندما كانت الأساطير هي سبب تسمية المجرات
في العصور القديمة، قبل اختراع التلسكوبات، كان فهم البشر للكون محدودًا بما يمكنهم رؤيته بالعين المجردة. ونتيجة لذلك، فسروا المجرات القليلة المرئية لنا من خلال قصص وأساطير غنية بالخيال، والتي شكلت المصدر الأول لأسمائها.
مجرة درب التبانة (The Milky Way): نهر الحليب السماوي
إن اسم مجرتنا هو المثال الأكثر كلاسيكية على التسمية الأسطورية. اسم “Milky Way” هو ترجمة مباشرة من الاسم اللاتيني “Via Lactea”، والذي يأتي بدوره من الأسطورة اليونانية. تحكي الأسطورة أن الإله زيوس أحضر طفله الرضيع هرقل، الذي ولد من امرأة بشرية، ليرضع من زوجته الإلهة هيرا وهي نائمة، ليمنحه ذلك الخلود. ولكن عندما استيقظت هيرا وأدركت أن هذا ليس ابنها، دفعته بعيدًا، فتناثر حليبها عبر السماء، مكونًا الشريط الأبيض الذي نراه اليوم. بالإضافة إلى ذلك، كان للثقافات الأخرى أساطيرها الخاصة؛ ففي الصين القديمة، عرفه الناس بـ”النهر الفضي”، وفي الثقافة العربية، أطلق عليه العامة اسم “درب التبانة”، نسبة إلى الطريق الذي كان يسلكه بائعو التبن، حيث كان التبن المتساقط من عرباتهم يشبه شكل المجرة في السماء.
مجرة المرأة المسلسلة (Andromeda): أميرة يونانية بين النجوم
أقرب مجرة حلزونية كبيرة إلى مجرتنا هي مجرة أندروميدا، وهي أبعد جرم سماوي يمكن رؤيته بالعين المجردة. ومرة أخرى، يأتي اسمها من الأساطير اليونانية. كانت أندروميدا أميرة جميلة تفاخرت والدتها بأنها أجمل من حوريات البحر. نتيجة لذلك، غضب إله البحر بوسيدون وأرسل وحشًا بحريًا لتدمير المملكة. لإنقاذ شعبه، قام والدها بتقييد أندروميدا إلى صخرة على الشاطئ كأضحية للوحش. ولحسن الحظ، أنقذها البطل بيرسيوس في اللحظة الأخيرة. بعد وفاتها، وضعها الآلهة في السماء ككوكبة نجمية، والبقعة الضبابية الخافتة الموجودة داخل تلك الكوكبة سُميت تيمنًا بها.

3. عصر الفهرسة: التحول إلى التسمية العلمية المنهجية
مع اختراع التلسكوب، بدأ علماء الفلك يرون أن السماء مليئة بهذه “السدم” الباهتة. في البداية، لم يكونوا يعرفون طبيعتها الحقيقية، لكنهم كانوا بحاجة إلى طريقة لتنظيمها وتصنيفها، مما أدى إلى ولادة أول فهارس فلكية، والتي أصبحت الآن مصدرًا رئيسيًا لأسماء المجرات.
فهرس مسييه (Messier Catalog): قائمة صائد المذنبات
في القرن الثامن عشر، كان الفلكي الفرنسي شارل مسييه مهووسًا باكتشاف المذنبات. ومع ذلك، كان يصاب بالإحباط باستمرار عندما يجد أجسامًا سديمية ثابتة في السماء كان يخطئ في تعريفها على أنها مذنبات. لهذا السبب، قرر إنشاء قائمة بهذه الأجسام المزعجة لتجنبها في المستقبل. ومن المفارقات أن قائمته، التي تضم 110 أجسام، أصبحت واحدة من أشهر الفهارس في علم الفلك. على سبيل المثال، تُعرف مجرة أندروميدا أيضًا باسم M31، ومجرة المثلث تُعرف باسم M33، وهكذا. اليوم، يحمل العديد من ألمع المجرات تسمية “M” نسبة إلى مسييه.
الفهرس العام الجديد (NGC): محاولة لتوثيق الكون
مع تحسن التلسكوبات في القرن التاسع عشر، أصبح فهرس مسييه صغيرًا جدًا. وهكذا، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، قام الفلكي الدنماركي جون لويس إميل دراير بتجميع “الفهرس العام الجديد للسدم والعناقيد النجمية” (New General Catalogue). يحتوي هذا الفهرس الضخم على ما يقرب من 8000 جسم. وبالتالي، فإن العديد من المجرات الشهيرة تحمل اليوم تسمية NGC، مثل مجرة السومبريرو (NGC 4594) ومجرة الدوامة (NGC 5194).
4. التسميات الحديثة: من الوصف إلى الإحداثيات
في القرن العشرين والواحد والعشرين، انفجرت قدرتنا على اكتشاف المجرات. ففي الواقع، تكتشف التلسكوبات الفضائية مثل هابل وجيمس ويب والمسوحات السماوية الآلية آلاف المجرات الجديدة كل يوم. نتيجة لذلك، أصبح من المستحيل إعطاء أسماء شعرية أو حتى أرقام فهرس بسيطة لكل منها.
الأسماء القائمة على المظهر (الألقاب)
لا يزال علماء الفلك يستمتعون بإعطاء ألقاب وصفية للمجرات الأكثر إثارة للاهتمام بصريًا. هذه الأسماء لا تكون رسمية دائمًا، لكنها تساعد في نشر العلم لعامة الناس. ومن الأمثلة الرائعة على ذلك:
- مجرة السومبريرو (Sombrero Galaxy): بسبب انتفاخها المركزي الساطع وحزام الغبار المظلم الذي يحيط بها، مما يجعلها تشبه قبعة السومبريرو المكسيكية.
- مجرة الهوائيات (Antennae Galaxies): وهما مجرتان في طور الاصطدام، حيث تمزقت النجوم والغازات منهما بفعل الجاذبية لتشكل ذيلين طويلين يشبهان هوائيات الحشرات.
- مجرة عين الشر (Black Eye Galaxy): تتميز بحزام مظلم ومذهل من الغبار الممتص أمام نواتها الساطعة، مما يعطيها مظهرًا يشبه عينًا مصابة بكدمة.
التسمية المنهجية القائمة على الإحداثيات
بالنسبة للغالبية العظمى من المجرات المكتشفة حديثًا، فإن الطريقة الوحيدة العملية لتسميتها هي استخدام نظام منهجي يعتمد على المسح الفلكي الذي اكتشفها وإحداثياتها الدقيقة في السماء. على سبيل المثال، قد تحمل مجرة اسمًا مثل “SDSS J143003.82+133931.9″، حيث يشير “SDSS” إلى مسح سلون الرقمي للسماء، والأرقام التي تليها هي المطلع المستقيم والميل (عنوانها الدقيق في السماء). بالطبع، هذه الأسماء ليست جذابة، لكنها دقيقة وعملية للغاية للعلماء.
يرتبط سبب تسمية المجرات بخليط من الأساطير القديمة والاكتشافات العلمية الحديثة، حيث اعتمدت الحضارات الأولى على مخيلتها وأساطيرها في إطلاق أسماء على الأجرام السماوية قبل أن يتبنى علم الفلك نظامًا أكثر دقة وتنظيمًا. ويكشف تاريخ أسماء المجرات عن المعتقدات البشرية الأولى ومحاولاتها لفهم الكون الواسع، بينما لعبت الأساطير دورًا مهمًا في تشكيل تلك التسميات قبل أن تتولى المراصد والهيئات العلمية مهمة توثيقها لاحقًا. وتعد تسمية مجرة درب التبانة مثالًا واضحًا على التدرج بين الرواية الأسطورية والتفسير العلمي. ومع توسع الاكتشافات، تحولت المجرات من أسماء عاطفية ورمزية إلى فهرس كوني واسع يضم أشهر المجرات في الكون ضمن أنظمة ترقيم وتصنيف دقيقة تسهّل دراسة الفضاء ورسم خريطته.
5. قصة مستمرة من الاكتشاف والتسمية
إذًا، سبب تسمية المجرات هو قصة تعكس رحلتنا كبشر في فهم الكون. لقد بدأنا بقصص أسطورية لشرح عدد قليل من الأضواء الغامضة في السماء. بعد ذلك، مع تطور أدواتنا، انتقلنا إلى محاولات منظمة لفهرسة جيراننا الكونيين. والآن، في عصر البيانات الضخمة، نعتمد على أنظمة آلية لتتبع مليارات المجرات التي تملأ كوننا. في النهاية، سواء كان الاسم أسطورة يونانية قديمة أو سلسلة طويلة من الأرقام، فإن كل اسم مجرة يمثل لحظة اكتشاف، وخطوة أخرى في سعينا الذي لا ينتهي لمعرفة مكاننا في هذا الكون الواسع والمذهل.
اقرأ في مقالنا عن:
- الانفجار العظيم في القرآن والعلم: بداية الكون ونشأة الزمان والمكان
- السفر عبر الثقوب الدودية: ممرات كونية غامضة أم بوابات للسفر عبر الزمن؟
- أسرار الفضاء: معلومات مذهلة عن الكون الذي نعيش فيه
- كم عدد الأبعاد في الكون؟ أسرار علمية ستذهلك
- أوروبا تُعلن تشكيل أكبر تحالف لتصنيع الأقمار الصناعية
- الأجرام السماوية: رحلة مذهلة من النجوم إلى الكواكب واستكشاف أسرار الكون
الحلزونية والإهليلجية وغيرهما.. لماذا تختلف أشكال المجرات؟





