فن الأرابيسك: عبقرية الزخرفة الإسلامية التي خلدها التاريخ
الطبيعة › التاريخ › فن الأرابيسك: عبقرية الزخرفة الإسلامية التي خلدها التاريخ
فن الأرابيسك: عبقرية الزخرفة الإسلامية التي خلدها التاريخ. عندما نتجول في رحاب قصر الحمراء بغرناطة، أو نتأمل تفاصيل مسجد السلطان أحمد في إسطنبول، نجد أنفسنا محاطين بلغة فنية فريدة تأسر الألباب وتخاطب الروح. في الواقع، يُعتبر فن الأرابيسك واحدًا من أبرز رموز الفن الإسلامي وأكثرها تميزًا. فهو ليس مجرد مجموعة من النقوش والزخارف. بل هو فلسفة جمالية متكاملة، تعكس نظرة الحضارة الإسلامية إلى الكون، الجمال، واللانهاية. حيث يجمع هذا الفن بعبقرية مذهلة بين الدقة الرياضية للزخارف الهندسية، والانسيابية الحيوية للزخارف النباتية.
لذلك، في هذا المقال الشامل، سنأخذك في رحلة عميقة لاستكشاف عالم فن الأرابيسك. أولاً، سنتعرف على تعريفه وأصوله التاريخية، وكيف تطور من جذوره القديمة ليزدهر في العصر الذهبي للإسلام. بعد ذلك، سنغوص في خصائصه ورمزيته العميقة، ونفهم لماذا تجنب الفنان المسلم تصوير الكائنات الحية. علاوة على ذلك، سنستعرض تأثيره الهائل على الفنون العالمية، وكيف لا يزال حاضرًا بقوة في العصر الحديث. وفي النهاية، ستدرك أن كل خط متشابك وكل ورقة متفرعة في فن الأرابيسك تروي قصة من الإيمان، العلم، والجمال الذي لا يعرف حدودًا.
1. ما هو فن الأرابيسك؟ تعريف شامل
الأرابيسك، أو كما يُعرف في المصادر العربية بـ “التوريق” أو “الرقش”، هو أسلوب زخرفي معقد يعتمد على أنماط خطية إيقاعية ومتكررة. وهو يرتكز بشكل أساسي على نوعين من الزخارف التي تتداخل وتتشابك في تناغم مذهل:
- الزخارف النباتية (التوريق): تتكون من أشكال نباتية محورة ومجردة، مثل الأوراق، السيقان المتفرعة، والأزهار، التي تلتف وتتشابك في أنماط انسيابية لا نهاية لها.
- الزخارف الهندسية (التسطير): تعتمد على تكرار وتداخل الأشكال الهندسية الأساسية مثل الخطوط، النجوم، المضلعات، والدوائر، لتكوين شبكات معقدة ومذهلة بصريًا.

والسمة الأبرز لهذا الفن هي “الخوف من الفراغ” (Horror vacui). حيث يسعى الفنان إلى ملء كل شبر من السطح بالزخارف، مما يخلق إحساسًا بالوفرة واللانهاية. وهو يتميز بخلوه شبه التام من تصوير الأشكال البشرية والحيوانية، خاصة في السياقات الدينية، مما يعكس القيم التوحيدية في الإسلام.
2. أصول الأرابيسك وتطوره عبر التاريخ
لم يولد فن الأرابيسك من فراغ. بل هو نتاج تطور طويل امتزجت فيه تأثيرات من حضارات سابقة مع العبقرية الفنية الإسلامية.
الجذور القديمة
يمكن تتبع جذور الزخارف النباتية والهندسية إلى الحضارات القديمة. فقد استخدم المصريون القدماء، بلاد ما بين النهرين، اليونانيون، والرومان أشكالًا من الزخارف النباتية المتكررة في عمارتهم وفنونهم. وقد ورث العالم الإسلامي الناشئ هذه التقاليد الفنية، خاصة من الفن البيزنطي والفن الساساني الفارسي.
الازدهار في العصر الإسلامي
مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، بدأ الفنانون المسلمون في تطوير هذه الزخارف وتكييفها لتعبر عن رؤيتهم الكونية الجديدة. وقد ازدهر فن الأرابيسك بشكل خاص خلال العصرين الأموي والعباسي. وبحلول القرن الحادي عشر، كان قد تطور ليصبح أسلوبًا فنيًا مميزًا وناضجًا. ووصل إلى ذروة تعقيده وجماله في مناطق مثل الأندلس (في قصر الحمراء)، مصر الفاطمية والمملوكية، وبلاد فارس السلجوقية.
3. الرمزية في فن الأرابيسك: ما وراء الجمال
إن الأرابيسك ليس مجرد زخرفة جميلة. بل هو فن يحمل في طياته رمزية فلسفية وروحانية عميقة تعبر عن نظرة الإسلام إلى العالم.
- رمزية اللانهاية والتوحيد: إن الأنماط المتكررة والمتداخلة التي ليس لها بداية أو نهاية واضحة ترمز إلى طبيعة الله اللامتناهية والأبدية. كما أن وحدة التصميم، حيث ينبثق كل جزء من الكل ويعود إليه، تعكس مفهوم التوحيد، وهو حجر الزاوية في العقيدة الإسلامية.
- رمزية النظام والانسجام: إن الدقة الرياضية للأنماط الهندسية تعكس النظام والانسجام الذي يسود الكون الذي خلقه الله. فهي تظهر أن وراء التعقيد الظاهري للعالم، هناك نظام رياضي ومنطقي بديع.
- رمزية الطبيعة والجنة: إن استخدام الزخارف النباتية المستوحاة من الأوراق والأزهار يمثل احتفاءً بجمال الطبيعة كخلق من خلق الله. كما أنها غالبًا ما ترمز إلى صور الجنة كما وُصفت في القرآن الكريم، بحدائقها وأنهارها ونباتاتها المورقة.
4. تأثير فن الأرابيسك على الفنون العالمية
لم يبقَ فن الأرابيسك حبيس العالم الإسلامي. بل انتقل إلى أوروبا خلال العصور الوسطى، خاصة من خلال الأندلس وصقلية، والتبادل التجاري مع الدولة العثمانية. وقد كان له تأثير كبير على الفنون الأوروبية.
- في عصر النهضة: أُعجب فنانو عصر النهضة الإيطاليون بالزخارف الإسلامية المعقدة. وقد قاموا بدمج أشكال من الأرابيسك في تزيين الكتب، المنسوجات، والأعمال المعدنية.
- في الفن القوطي: يعتقد بعض المؤرخين أن الأقواس المدببة المميزة للعمارة القوطية تأثرت بالأقواس المستخدمة في العمارة الإسلامية.
- في حركة الفن الحديث: في القرن التاسع عشر، أُعيد اكتشاف الأرابيسك من قبل فنانين مثل أوين جونز، الذي نشر كتاب “قواعد الزخرفة” (The Grammar of Ornament)، والذي كان له تأثير هائل على المصممين في حركة الفنون والحرف.
5. الأرابيسك في العصر الحديث: إرث لا يزال حيًا
على الرغم من مرور قرون، لا يزال فن الأرابيسك حاضرًا بقوة في عالمنا الحديث، سواء في أشكاله التقليدية أو في تفسيرات معاصرة.
- في العمارة الحديثة: لا يزال الأرابيسك يستخدم في تزيين المساجد الحديثة حول العالم. كما يقوم مهندسون معماريون معاصرون بدمج أنماطه الهندسية في تصميم المباني الحديثة، مثل المتاحف والمراكز الثقافية، لإضفاء هوية ثقافية ولمسة من الجمال.
- في التصميم الداخلي: يُستخدم الأرابيسك بشكل واسع في الديكور الداخلي. حيث يظهر في تصميم البلاط، ورق الجدران، المشربيات الخشبية، والأثاث، لإضفاء لمسة من الفخامة والأصالة.
- في الفن والموضة: يستلهم العديد من الفنانين والمصممين المعاصرين من أنماط الأرابيسك في أعمالهم، من اللوحات الفنية إلى تصميم المجوهرات والأزياء.
لكن، يواجه هذا الفن، خاصة في شكله الحرفي التقليدي، تحديات كبيرة. فالاعتماد على الإنتاج الآلي يهدد باندثار الحرف اليدوية المتقنة. لذلك، هناك جهود مستمرة للحفاظ على هذا الإرث من خلال المدارس الحرفية والمعارض.
لغة الجمال التي لا تموت
في الختام، من الواضح أن فن الأرابيسك ليس مجرد شكل من أشكال الزخرفة. بل هو لغة بصرية عميقة وإرث ثقافي غني يعبر عن التقاليد الإسلامية والقيم الجمالية. فبفضل عبقريته الفنية، وتوازنه المثالي بين المنطق الرياضي والجمال الطبيعي، يظل الأرابيسك مصدر إلهام لا ينضب للفنانين والمصممين حول العالم. إنه يثبت أن الفن الحقيقي قادر على تجاوز حدود الزمان والمكان، ليبقى خالدًا وشاهدًا على عبقرية الحضارة التي أنجبته.
اقرأ في مقالنا عن:
- جامع سامراء: تحفة معمارية إسلامية شاهدة على
- العمارة الإسلامية أسرار الجمال والإبداع في (دليل شامل)
- الفنون والعمارة الفرعونية: إبداع خالد يعبر العصور (دليل شامل)
- جامع سامراء: تحفة معمارية إسلامية شاهدة على
فن الأرابيسك في حي رأس العامود.. فلسطيني يبقي ذاكرة القدس حيّة





