موسوعة بريتانيكا: قصة أقدم وأشهر موسوعة في العالم
الطبيعة › الثقافة › موسوعة بريتانيكا: قصة أقدم وأشهر موسوعة في العالم
موسوعة بريتانيكا (Encyclopædia Britannica). لأكثر من 250 عامًا، كان هذا الاسم مرادفًا للمعرفة الموثوقة، البحث الدقيق، والسلطة الفكرية. في الواقع، قبل عصر الإنترنت وجوجل وويكيبيديا، عندما كان العالم يبحث عن إجابة موثوقة، كان هناك مكان واحد يلجأ إليه: المجلدات الفخمة ذات التجليد الجلدي لموسوعة بريتانيكا. فهي ليست مجرد مجموعة من الكتب. بل هي أقدم موسوعة باللغة الإنجليزية لا تزال تُطبع، وهي تمثل واحدًا من أعظم المشاريع الفكرية في تاريخ البشرية.
لذلك، في هذا المقال الشامل، سنفتح صفحات تاريخ هذه المؤسسة المعرفية العريقة. أولاً، سنتعرف على بداياتها المتواضعة في اسكتلندا خلال عصر التنوير. بعد ذلك، سنستكشف كيف تطورت عبر القرون، من مجرد ثلاثة مجلدات إلى عمل ضخم شارك في كتابته أعظم العقول في العالم، بمن فيهم حائزون على جائزة نوبل. علاوة على ذلك، سنناقش التحدي الهائل الذي واجهته في العصر الرقمي، وكيف نجحت في التكيف والبقاء. وفي النهاية، ستدرك لماذا لا تزال موسوعة بريتانيكا، حتى في شكلها الرقمي اليوم، تمثل المعيار الذهبي للمعرفة الموثوقة.
1. البدايات: ولادة في خضم عصر التنوير الإسكتلندي
بدأت قصة موسوعة بريتانيكا في مدينة إدنبرة باسكتلندا. وقد كانت هذه المدينة في منتصف القرن الثامن عشر مركزًا فكريًا نابضًا بالحياة، فيما عُرف بـ “عصر التنوير الإسكتلندي”. وفي هذا الجو المشبع بالفضول العلمي والعقلانية، قرر ثلاثة رجال طموحين إطلاق مشروع غير مسبوق: تجميع كل المعارف البشرية المفيدة في عمل واحد منظم.
الثلاثي المؤسس
كان هؤلاء الرجال هم: كولين ماكفاركوهار (طابع)، أندرو بيل (نقاش)، وويليام سميلي (باحث وعالم). وقد كان هدفهم بسيطًا وجريئًا: إنشاء “قاموس للفنون والعلوم”. وبدءًا من عام 1768، بدأوا في نشر الطبعة الأولى على شكل أجزاء صغيرة أسبوعيًا.
الطبعة الأولى (1768-1771)
كانت الطبعة الأولى متواضعة مقارنة بما أصبحت عليه بريتانيكا لاحقًا. فقد تألفت من ثلاثة مجلدات فقط. وكانت تحتوي على مقالات طويلة ومفصلة حول المواضيع العملية (مثل الزراعة والتشريح)، بدلاً من إدراج مداخل قصيرة لكل مصطلح كما تفعل القواميس. وقد حققت نجاحًا فوريًا، مما مهد الطريق لإصدار طبعات أكبر وأكثر شمولاً.

2. التطور عبر القرون: من إدنبرة إلى شيكاغو
على مدار القرنين التاليين، نمت موسوعة بريتانيكا في حجمها ومكانتها. حيث انتقلت ملكيتها تدريجيًا من اسكتلندا إلى إنجلترا، ثم أخيرًا إلى الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، حيث استقرت في شيكاغو.
الطبعة التاسعة (1875-1889): “الطبعة العالمة”
تعتبر هذه الطبعة علامة فارقة في تاريخ الموسوعات. حيث شارك في كتابتها نخبة من أعظم العلماء والمفكرين في ذلك العصر، مثل توماس هكسلي (عالم الأحياء) وجيمس كليرك ماكسويل (عالم الفيزياء). وقد حولت بريتانيكا من مجرد عمل مرجعي إلى عمل أكاديمي رصين.
الطبعة الحادية عشرة (1911): القمة الكلاسيكية
تعتبر هذه الطبعة، التي نُشرت بالتعاون مع جامعة كامبريدج، قمة الإنجاز الفكري لبريتانيكا. فقد جمعت بين الدقة الأكاديمية والأسلوب الأدبي الرفيع. ولا تزال مقالاتها تُقرأ وتُستشهد بها حتى اليوم لأناقتها ووضوحها.
3. التحدي الرقمي: مواجهة ويكيبيديا والإنترنت
مع بزوغ فجر الإنترنت في التسعينيات وظهور ويكيبيديا في عام 2001، واجهت موسوعة بريتانيكا أكبر تحدٍ في تاريخها. فجأة، أصبح نموذج عملها الذي يعتمد على بيع مجموعات باهظة الثمن من الكتب المطبوعة مهددًا بالانقراض. فقد أصبح بإمكان أي شخص الوصول إلى معلومات مجانية وفورية عبر الإنترنت.
القرار التاريخي بوقف الطباعة (2012)
في خطوة تاريخية وصادمة للكثيرين، أعلنت موسوعة بريتانيكا في عام 2012 أنها ستتوقف عن طباعة نسختها الورقية بعد 244 عامًا. وقد كانت طبعة عام 2010 هي الأخيرة. وبدلاً من ذلك، قررت الشركة التركيز بشكل كامل على نموذجها الرقمي والتعليمي.
4. بريتانيكا اليوم: نموذج للمعرفة الموثوقة في العصر الرقمي
لقد نجحت بريتانيكا في إعادة اختراع نفسها. فبدلاً من محاولة التنافس مع ويكيبيديا في الحجم والسرعة، ركزت على نقطة قوتها الأساسية: الموثوقية. ففي عصر تنتشر فيه المعلومات الخاطئة والأخبار الكاذبة، أصبحت الحاجة إلى مصادر موثوقة ومدققة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
- المحتوى الموثوق: على عكس ويكيبيديا التي يمكن لأي شخص تحريرها، يتم كتابة جميع مقالات بريتانيكا من قبل خبراء في مجالاتهم (بمن فيهم حائزون على جائزة نوبل). كما تمر كل مقالة بعملية تحرير وتدقيق صارمة لضمان الدقة والموضوعية.
- المنصة الرقمية والتعليمية: تقدم بريتانيكا اليوم مجموعة واسعة من المنتجات الرقمية. وتشمل هذه اشتراكات للمدارس والجامعات، وموقعًا إلكترونيًا غنيًا بالوسائط المتعددة (Britannica.com)، بالإضافة إلى تطبيقات تعليمية للأطفال.
وتقدم مصادر موثوقة مثل الصفحة الرسمية لشركة بريتانيكا نظرة شاملة على تاريخها ورسالتها.
الخاتمة: إرث من المعرفة يتجدد
في الختام، من الواضح أن قصة موسوعة بريتانيكا هي قصة رائعة عن الصمود والتكيف. فمن بداياتها المتواضعة في اسكتلندا إلى هيمنتها كمرجع عالمي للمعرفة، وصولاً إلى تحولها الرقمي الناجح، أثبتت بريتانيكا أن السعي وراء المعرفة الدقيقة والموثوقة لا يموت أبدًا. وفي عالم يغرق في بحر من المعلومات، تظل بريتانيكا منارة موثوقة، تذكرنا بأن ليست كل المعلومات متساوية، وأن هناك قيمة خالدة للمعرفة التي تم التحقق منها بعناية من قبل الخبراء.
اقرأ في مقالنا عن: الخوارزمي: عبقري الرياضيات الذي غير العالم
«موسوعة بريتانيكا» مرجع المعرفة الإنسانية





