البراكين الطينية: أسرار أرض تغلي بلا حمم
البراكين الطينية ظواهر جيولوجية تدفع فيها ضغوط باطن الأرض خليطًا من الماء والغازات والرواسب الدقيقة نحو السطح، فتتكون فوهات وقباب وتدفقات من الطين. ورغم أن شكلها قد يشبه البراكين المعروفة، فإنها لا تحتاج إلى صهارة منصهرة ولا تقذف حممًا بركانية بالمعنى المعتاد. يمكن رؤية بعضها على هيئة بركة صغيرة تتصاعد منها الفقاعات، بينما تتشكل أخرى في صورة تلال تمتد على مساحة واسعة. والأهم أن هدوء المشهد لا يعني غياب الخطر دائمًا، فبعض المواقع قد تطلق غازات قابلة للاشتعال أو ثورات طينية مفاجئة.
ما المقصود بالبراكين الطينية؟
عندما يسمع الناس كلمة «بركان»، يتخيلون صخورًا حمراء منصهرة وحرارة شديدة. لكن البراكين الطينية تنتمي إلى آلية مختلفة؛ فهي مسارات تصعد عبرها سوائل ورواسب مشبعة بالماء من طبقات تحت الأرض، وقد تحمل غازات مثل الميثان وثاني أكسيد الكربون. تتجمع هذه المواد تحت ضغط مرتفع ثم تجد طريقًا عبر الشقوق والفوالق إلى السطح. مع تكرار التدفقات، يترسب الطين حول الفتحة ليصنع مخروطًا صغيرًا أو تلًا أكبر. لذلك فالتسمية تصف المظهر وطريقة خروج المادة أكثر مما تصف وجود نشاط صهاري حقيقي.
كيف تتشكل البراكين الطينية تحت سطح الأرض؟
تبدأ القصة عادةً في أحواض رسوبية تراكمت فيها طبقات من الطين والغرين والرمل بمرور زمن طويل. تحتوي المسام بين الحبيبات على ماء وغازات، وإذا دُفنت الرواسب سريعًا أو تعرضت لضغوط إضافية فقد يصبح ضغط السوائل داخلها أعلى من المعتاد. تعمل الشقوق والفوالق عندها بوصفها ممرات صعود، فتتحرك المواد نحو منطقة أقل ضغطًا. وعند وصولها إلى السطح، تفقد جزءًا من ضغطها وتتسرب الغازات على هيئة فقاعات؛ وقد تندفع كمية من الطين أو تخرج تدريجيًا وفق الظروف المحلية.
تؤدي حركة الصفائح والتشوهات التكتونية دورًا في بعض المواقع لأنها تغير الضغوط وتفتح مسارات جديدة، لكن ليس صحيحًا أن كل بركان طيني يعني وجود ثوران ناري قريب أو أن كل فقاعة دليل على زلزال وشيك. لفهم الإطار الجيولوجي العام يمكن الرجوع إلى مقالنا عن الصفائح التكتونية وعلاقتها بالزلازل والبراكين. وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن تراكم غازات الهيدروكربونات أو الضغط التكتوني من العوامل التي قد تدفع الرواسب المشبعة بالسوائل إلى الأعلى.

الفرق بين البركان الطيني والبركان الذي يقذف الحمم
الفرق الحاسم هو مصدر المادة الخارجة. في البركان التقليدي تتكون الصهارة في الأعماق ويؤدي صعودها إلى خروج حمم وغازات ورماد بحسب نوع النشاط. أما البراكين الطينية فتقذف رواسب مبللة وماءً وغازات، وعادة تكون مادتها أبرد بكثير من الحمم. لهذا لا يصح اعتبار كل جبل طيني بركانًا ناريًا خامدًا، كما لا يصح تفسير اللون الرمادي أو الفقاعات بأنها دليل على صخور منصهرة تحت الفوهة.
ويمكن أن يختلف حجم الظاهرتين اختلافًا كبيرًا: فقد لا يتجاوز البركان الطيني بضعة سنتيمترات، في حين تستطيع تراكمات طويلة الأمد بناء تلال تمتد عشرات الأمتار أو أكثر. وعلى النقيض، تُنشئ الثورات الصهارية موادًا صخرية جديدة مع تبرد الحمم. لمن يريد مقارنة الشكل الهندسي وحده مع آلية مختلفة، لدينا شرح مستقل عن البركان المخروطي وكيف يتكوّن.
أماكن تنتشر فيها البراكين الطينية حول العالم
من أشهر المناطق المعروفة بهذه الظاهرة أذربيجان، ولا سيما منطقة غوبوستان قرب بحر قزوين؛ حيث تظهر فوهات وحقول واسعة بأشكال متباينة. وتوجد أمثلة أيضًا في ترينيداد ومناطق من جنوب آسيا، وكذلك في بيئات بحرية حيث تصعد الموائع والغازات عبر رواسب قاع البحر. ولا يعني انتشارها في منطقة أنها محاطة بالضرورة ببراكين صهارية نشطة؛ فظروف الأحواض الرسوبية والضغط الجوفي تكفي لتفسير كثير من مواقعها.
كما أن وجودها تحت الماء يغير طريقة ملاحظتها. في البحر قد يرصد الباحثون التراكيب الطينية والغازات المتسربة بواسطة أجهزة سونار أو عينات رسوبية أو مركبات علمية. ومن الخطأ الاعتماد على صور سطحية للبحث عن كل مواقع البراكين الطينية؛ إذ إن عددًا من الظواهر المعروفة علميًا يحدث بعيدًا عن اليابسة، وتختلف درجة رصدها تبعًا لأعماق المياه وطبيعة القاع.
لماذا تبدو بعض الفوهات كأنها تغلي؟
فقاعات الغاز الصاعدة عبر الطين تعطي سطحه حركة تشبه الغليان في قدر ماء، لكنها لا تعني بالضرورة أن السائل ساخن أو أن درجة حرارته بلغت نقطة الغليان. وعندما تنفجر فقاعة كبيرة نسبيًا، يرتفع الطين ثم يعود إلى الفوهة، وقد يرسم دوائر متتابعة على السطح. وتتغير سرعة الحركة باختلاف لزوجة الطين وكمية الغاز والضغط. لهذا تعرض بعض المقاطع فقاعات ضخمة بطيئة، بينما تعرض مقاطع أخرى رذاذًا وطينًا متناثرًا.
ومن المهم التمييز بين هذه الفوهات وبين برك الطين الساخن في المناطق الحرارية الأرضية، مثل بعض الظواهر المرتبطة بالمياه الساخنة والغازات في الحقول البركانية. فالاثنتان قد تبدوان متشابهتين للعين، لكن مصدر الحرارة والسوائل والظروف الجيولوجية مختلف. تشير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن الخلط بين «البركان الطيني» و«البركة الطينية الحرارية» قد يؤدي إلى فهم خاطئ لطبيعة الموقع ومخاطره.
المخاطر الحقيقية وراء المشهد الهادئ
في الحالات المعتادة تخرج كميات محدودة من الطين والغاز، لكن البراكين الطينية ليست ألعابًا طبيعية آمنة. بعض الانبعاثات يحتوي على الميثان القابل للاشتعال، وقد تقع ثورات أقوى من المتوقع عندما يتراكم الضغط تحت السطح. ويمكن أن تكون جوانب الفوهة رخوة أو غير مستقرة، وأن تحيط بالموقع أرض مشبعة بالطين قد يصعب الخروج منها. تختلف درجة الخطورة من موقع إلى آخر، لذلك لا يجوز تعميم تجربة زائر لمكان هادئ على جميع الحقول الطينية.
إذا كنت في زيارة لموقع مفتوح للجمهور، فاتبع المسارات المعتمدة وتحذيرات الجهات المحلية ولا تقترب من فوهة غير محمية لالتقاط صورة. لا تشعل نارًا قرب انبعاثات الغاز، ولا تختبر حرارة الطين بيدك، ولا تفترض أن سطحه قادر على حمل وزنك. أما في حال حدوث تدفق غير معتاد أو رائحة غاز قوية أو تغير مفاجئ في النشاط، فالأفضل الابتعاد واتباع تعليمات السلامة المعلنة. التصوير من مسافة مناسبة أكثر فائدة من المجازفة بدخول منطقة غير مستقرة.

غاز الميثان: العلاقة بين البراكين الطينية والبيئة
يثير تسرب الميثان وثاني أكسيد الكربون اهتمام الباحثين لأن هذين الغازين يرتبطان بدورة الكربون في الأرض، ولأن الميثان من غازات الدفيئة القوية. لكن حجم الانبعاثات يختلف بين الحقول ومن فترة إلى أخرى؛ فلا يصح إعطاء رقم موحد لكل بركان طيني أو مساواته مباشرة بمصادر الانبعاث الصناعية. تساعد قياسات تراكيز الغاز وتدفقه في فهم ما يحدث داخل الرواسب والطبقات العميقة، كما تساعد دراسات البيئات البحرية على تتبع انتقال الكربون بين القاع والماء.
قد يكون الطين الخارج محمّلًا بمواد ذائبة أو أملاح أو مكونات تعكس الصخور التي عبرتها السوائل، لذلك يستخدم العلماء التحليل الكيميائي والجيوفيزيائي إلى جانب الصور والملاحظات. ويمكن لهذه البيانات أن توضح مسارات السوائل وخصائص الأحواض الرسوبية، بل وتكشف معلومات عن وجود أنظمة هيدروكربونية في الأعماق. وتبقى الاستنتاجات العلمية مشروطة بقياسات الموقع، ولا يمكن حسم طبيعة طبقة كاملة بمجرد لون الطين على السطح.
ما الذي تعلّمه البراكين الطينية للعلماء؟
تُعد البراكين الطينية نافذة طبيعية إلى أجزاء من الأرض يصعب الوصول إليها بالحفر المباشر. فالسوائل والرواسب التي تصل إلى السطح تحمل إشارات عن الظروف والضغوط في الأعماق، وإن كانت قد تعرضت للتغير أثناء الصعود. يقارن الباحثون العينات عبر الزمن، ويسجلون تواتر الفقاعات، ويتابعون التشوهات السطحية، ويستخدمون القياسات الزلزالية والكيميائية لتفسير الآلية. وليس الهدف دائمًا التنبؤ بثوران؛ فقد يكون فهم حركة الموائع ودورة الغازات هو السؤال العلمي الأهم.
ويساعد دمج بيانات الأقمار الصناعية مع المشاهدات الميدانية على رصد تغير حدود التلال والمساحات الرطبة أو الجافة. لكن الصور وحدها لا تكفي لمعرفة عمق مصدر الغاز أو توقيت نشاط جديد. ولهذا يحتاج الحديث عن «نشاط متزايد» أو «ثورة قريبة» إلى معلومات رصد محددة، لا إلى مقارنة صورة حديثة بأخرى قديمة من زاوية تصوير مختلفة.
أسئلة شائعة عن البراكين الطينية
هل تخرج منها حمم بركانية؟
لا في الوضع المعتاد؛ فالمادة التي تخرج من البراكين الطينية هي طين وماء وغازات، وليست صهارة منصهرة. قد تشبه البنية مخروط البركان الناري، لكن التشابه في الشكل لا يجعل آلية التكوين واحدة.
هل كل البراكين الطينية ساخنة؟
لا. كثير منها يخرج طينًا قريبًا من حرارة البيئة المحيطة، بعكس برك الطين الحرارية التي تتأثر بمصادر حرارة جوفية. ولا ينبغي اختبار ذلك باللمس لأن درجة حرارة الموقع وحالة سطحه قد تختلفان.
هل تسبب البراكين الطينية الزلازل؟
ليست علاقة السببية بهذه البساطة. قد تشترك بعض المواقع مع الفوالق والضغوط التكتونية في الظروف الجيولوجية، لكن ظهور فقاعات طينية لا يسمح بالتنبؤ بزلزال محدد. يجب الاعتماد على بيانات الجهات المختصة لا على المقاطع المتداولة.
أين يمكن مشاهدة هذه الظاهرة؟
أذربيجان من المواقع المعروفة، وتوجد أمثلة في ترينيداد وبعض البيئات البرية والبحرية الأخرى. تختلف سهولة الزيارة وإجراءات السلامة بحسب البلد والموقع، ومن الأفضل مراجعة الإرشادات المحلية قبل التخطيط.
الخلاصة
تكشف البراكين الطينية أن باطن الأرض لا يعبر عن نشاطه بالنار وحدها؛ ففي بعض الأحواض الرسوبية تدفع الضغوط ماءً ورواسب وغازات لتصنع مشاهد تبدو غريبة. لفهمها بدقة ينبغي التمييز بين الطين والصهارة، وبين الفقاعات الباردة والنشاط الحراري الأرضي، وبين الموقع الهادئ والظاهرة القابلة لتغير مفاجئ. جمالها البصري لا ينفصل عن قيمتها العلمية والحاجة إلى احترام تعليمات السلامة.
المصادر العلمية
- هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية: الفرق بين البركان الطيني والبركة الطينية الحرارية (2024).
- هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية: آلية تكون البراكين الطينية ومخاطرها.
- هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية: تدفقات السوائل والغازات في البيئات البحرية (2024).
حقوق الصورة الرئيسية: صورة أصلية للمصور Zigływidły عبر Wikimedia Commons، ترخيص CC BY 4.0. جرى قصها وإضافة عنوان عربي.






